منبر الخبراء
بقلم : ليلى محمد آل علي
هل نملك الهاتف أم الهاتف يملكنا ؟
في زمنٍ أصبح فيه الهاتف هو الرفيق والمرافق والصديق الصادق، حارس أسرارنا، ومرآة أيامنا، ومخزن صورنا وذكرياتنا، غيابه يربكنا، وصمته يقلقنا، نستيقظ عليه قبل أن نستيقظ لأنفسنا، وهو آخر ما تراه أعينناعندما ننام ، لا يخذلك إلا حينما يُضاء نور الشاحن ويعلن عن صرخة الرحمة يرجوك أن تتركه يستريح ولو لدقائق من إرهاق الاستخدام المتواصل. في زمن أصبحت الاشعارات أسرع من أنفاسنا ، والرد على الرسائل من الفرائض التي تحدد معيار حضورنا خطرت لي فكرة بسيطة… ماذا لو أغلقنا الهاتف ليوم كامل؟ كتجربة لإختبار علاقتنا بما نظنه ضرورة. حينها ...قررت تنفيذ الفكرة .. فقط ..أغلقت الهاتف وضعتُه في درج الطاولة، وأغلقت الدرج بحذر. في اللحظات الأولى، شعرتُ أنني فقدت شيئًا.. ولكن سأعتاد ..او بالأحرى أوهم نفسي بأنني سأعتاد .. استيقظتُ ذلك الصباح على صوت المنبّه… لا على صوت الإشعارات. لأول مرة منذ سنوات. لا رسائل. لا مكالمات. لا تنبيهات. لا أخبار عاجلة. لا “ شو الجديد" ؟ ولا صباح الخير في البداية، كان القرار يبدو بسيطًا… لكن ما إن أغلقت الهاتف، شعرت كأنني أغلقت نافذة تطل على العالم مددت يدي لا إراديًا نحوالطاولة ،ولكن تذكرت أنني في تحدي مع نفسي بأني سأعتاد الوضع دون تذمر هل أصبحت الحركة عادة جسدية قبل أن تكون حاجة حقيقية؟ جلست أتناول قهوتي. لم ألتقط صورة للفنجان. ولا صور لقططي المشاغبة لم أكتب “صباح الخير” ولم أعرف حالة الطقس لم أفتح أي تطبيق. اكتشفت أن القهوة… لها رائحة لم ألاحظها منذ مدة ارتشفتها بسعادة وكانت فعلا قهوة على المزاج عند الظهيرة بدأت أقلق. ماذا لو هناك رسالة مهمة؟ لقد وعدت مشرف الرسالة ان اكمل الفصل الثالث من مشروع التخرج ماذا لو أحد يحتاجني؟ تعودت دائما ان اكتب لابنتي المتدربة المبتدئة التي تحتاج النصائح والدعوات .... ماذا لو فاتني شيء؟ مناسبات ...حفلات ...خصومات المحلات ...عروض على اسعار الجمعية أو.. أو... خرجت إلى الشرفة لأرى الدنيا من غير شاشات.. لاحظت أن الشجرة التي في الجهة المقابلة قد كبرت… ولم أكن قد انتبهت ،أن جيراننا قد غيروا طلاء بيتهم القاتم الكئيب بلون فاتح ، لقد أصبح أجمل ...لماذا لم ألاحظ ذلك؟ كم من الأشياء تكبر أمامنا… ونحن ننظر إلى شاشة صغيرة؟ عند العصر جلستُ مع عائلتي لا هاتف على الطاولة ، لا اهتزازات صغيرة تقطع الحديث ، لا أعذار قصيرة مثل “ثواني بس ، تحدثنا فعلًا. ضحكنا دون أن يُسجّل أحد اللحظة. واكتشفتُ أن الضحكة غير الموثّقة أكثر صدقًا. في المساء شعرت بشيء غريب… هدوء داخلي ، سكينة ملأت روحي بالطمأنينة ، رأسي أصبح أقل ازدحامًا وضجة لم أكن أعرف أن الإشعارات تسرق جزءًا من تركيزي في كل مرة… حتى توقفت. قبل النوم فتحت الدرج أمسكت الهاتف ، ترددت هل أريد أن أعود؟. اخيرًا ضغط على زر التشغيل ، عشرات الرسائل. إشعارات. أخبار، المفاجأة أنه لم يكن هناك شيء “طارئ” فعلًا. كل شيء كان يمكن أن ينتظر ، اكتشفت أنني لست مضطرة أن أكون متصلة طوال الوقت ، وأن العالم لن ينهار إن غبتُ ساعات. وأن الهدوء ليس مملًا… بل شفاء. وأن اللحظة الحقيقية لا تحتاج توثيقًا لتكون موجودة. أخيرًا عرفت أن المشكلة ليست في الهاتف، بل في المساحة التي سمحنا له أن يحتلها من حياتنا.

English